عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

135

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

واعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّه لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ولكِنَّ اللَّه حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمانَ وزَيَّنَه فِي قُلُوبِكُمْ وكَرَّه إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ والْفُسُوقَ والْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 ) فَضْلاً مِنَ اللَّه ونِعْمَةً واللَّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 8 ) * ( وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّه ) * أن بما في حيزه ساد مسد مفعولي اعلموا باعتبار ما قيد به من الحال وهو قوله : * ( لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ) * فإنه حال من أحد ضميري فيكم ، ولو جعل استئنافا لم يظهر للأمر فائدة . والمعنى أن فيكم رسول اللَّه على حال يجب تغييرها وهي أنكم تريدون أن يتبع رأيكم في الحوادث ، ولو فعل ذلك * ( لَعَنِتُّمْ ) * أي لوقعتم في الجهد من العنت ، وفيه إشعار بأن بعضهم أشار إليه بالإيقاع ببني المصطلق وقوله : * ( ولكِنَّ اللَّه حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمانَ وزَيَّنَه فِي قُلُوبِكُمْ وكَرَّه إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ والْفُسُوقَ والْعِصْيانَ ) * استدراك ببيان عذرهم ، وهو أنه من فرط حبهم للإيمان وكراهتهم للكفر حملهم على ذلك لما سمعوا قول الوليد ، أو بصفة من لم يفعل ذلك منهم إحمادا لفعلهم وتعريضا بذم من فعل ويؤيده قوله : * ( أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ) * أي أولئك المستثنون هم الذين أصابوا الطريق السوي ، * ( وكَرَّه ) * يتعدى بنفسه إلى مفعول واحد فإذا شدد زاد له آخر ، لكنه لما تضمن معنى التبغيض نزل كره منزلة بغض فعدي إلى آخر بإلى ، أو نزل إليكم منزلة مفعول آخر . و * ( الْكُفْرَ ) * : تغطية نعم اللَّه بالجحود . * ( والْفُسُوقَ ) * : الخروج عن القصد * ( والْعِصْيانَ ) * : الامتناع عن الانقياد . * ( فَضْلاً مِنَ اللَّه ونِعْمَةً ) * تعليل ل * ( كَرَّه ) * أو * ( حَبَّبَ ) * ، وما بينهما اعتراض لا ل * ( الرَّاشِدُونَ ) * فإن الفضل فعل اللَّه ، والرشد وإن كان مسببا عن فعله مسند إلى ضميرهم أو مصدر لغير فعله فإن التحبيب والرشد فضل من اللَّه وإنعام . * ( واللَّه عَلِيمٌ ) * بأحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل * ( حَكِيمٌ ) * حيث يفضل وينعم بالتوفيق عليهم . وإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّه فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 9 ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ واتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 10 ) * ( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ) * تقاتلوا والجمع باعتبار المعنى فإن كل طائفة جمع . * ( فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ) * بالنصح والدعاء إلى حكم اللَّه تعالى . * ( فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الأُخْرى ) * تعدت عليها . * ( فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّه ) * ترجع إلى حكمه أو ما أمر به ، وإنما أطلق الفيء على الظل لرجوعه بعد نسخ الشمس ، والغنيمة لرجوعها من الكفار إلى المسلمين . * ( فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ ) * بفصل ما بينهما على ما حكم اللَّه ، وتقييد الإصلاح بالعدل ها هنا لأنه مظنة الحيف من حيث إنه بعد المقاتلة . * ( وأَقْسِطُوا ) * واعدلوا في كل الأمور . * ( إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) * يحمد فعلهم بحسن الجزاء . والآية نزلت في قتال حدث بين الأوس والخزرج في عهده عليه الصلاة والسلام بالسعف والنعال ، وهي تدل على أن الباغي مؤمن وأنه إذا قبض عن الحرب ترك كما جاء في الحديث لأنه فيء إلى أمر اللَّه تعالى ، وأنه يجب معاونة من بغي عليه بعد تقديم النصح والسعي في المصالحة . * ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) * من حيث إنهم منتسبون إلى أصل واحد وهو الإيمان الموجب للحياة الأبدية ، وهو تعليل وتقرير للأمر بالإصلاح ولذلك كرره مرتبا عليه بالفاء فقال : * ( فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ) * ووضع الظاهر موضع الضمير مضافا إلى المأمورين للمبالغة في التقرير والتخصيص ، وخص الاثنين بالذكر لأنهما أقل من يقع بينهم الشقاق . وقيل المراد بالأخوين الأوس والخزرج . وقرئ « بين إخوتكم » و « إخوانكم » . * ( واتَّقُوا